ابن الجوزي

178

صفة الصفوة

أبا مسلم كنا قاعدين خلفك ننتظرك ، قال أما إني لو علمت مكانكما لانصرفت إليكما ، وما كان لكما أن تحفظا علي صلاتي ، فأقسم لكما إن كثرة السجود خير ليوم القيامة . حميد قال : قال أبو مسلم الخولاني : ما عملت عملا أبالي من رآه إلا أن يخلو الرجل بأهله أو يقضي حاجة غائط . محمد بن زياد عن أبي مسلم أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال : أجيزوا بسم اللّه . قال : ويمر بين أيديهم . قال : فيمرون بالنهر الغمر ، فربما لم يبلغ من الدواب إلا إلى الركب ، أو بعض ذلك أو قريبا من ذلك ، فإذا جازوا قال للناس : هل ذهب لكم من شيء ؟ من ذهب له شيء فأنا له ضامن . قال : فألقى بعضهم مخلاة عمدا فلما جازوا قال الرجل : مخلاتي وقعت في النهر . قال له : اتبعني ، فإذا المخلاة تعلقت ببعض أعواد النهر . عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال : قالت امرأة أبي مسلم يعني الخولاني : يا أبا مسلم ليس لنا دقيق . قال : عندك شيء ؟ قالت : درهم بعنا به غزلا ، قال : ابغينيه وهاتي الجراب ، فدخل السوق فوقف على رجل يبيع الطعام . فوقف عليه سائل فقال : يا أبا مسلم تصدق عليّ ، فهرب منه فأتى حانوتا آخر فتبعه السائل فقال : يا أبا مسلم ، فهرب منه فأتى حانوتا آخر فتبعه السائل فقال : تصدق عليّ ، فلما أضجره أعطاه الدرهم ، ثم عمد إلى الجراب فملأه نجارة النجارين مع التراب ثم أقبل إلى باب منزله فنقر الباب وقلبه مرعوب من أهله ، فلما فتحت الباب رمى بالجراب وذهب ، فلما فتحته إذا هي بدقيق حوّارى ، فعجنت وخبزت . فلما ذهب من الليل الهويّ « 1 » جاء أبو مسلم لنقر الباب فلما دخل وضعت بين يديه خوانا وأرغفة . فقال : من أين لكم هذا ؟ قالت له يا أبا مسلم من الدقيق الذي جئت به ، فجعل يأكل ويبكي . عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه قال : كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف من المسجد إلى منزله كبّر على باب منزله فتكبّر امرأته فإذا كان في صحن داره كبّر

--> ( 1 ) أي ساعة .